ابن كثير

114

البداية والنهاية

الأكبر هرقل . فقال المقوقس لأصحابه : صدق فنحن أحق بالاذعان . ثم صالح على ما تقدم . وذكر غيره أن عمرا والزبير سارا إلى عين شمس فحاصراها وأن عمرا بعث إلى الفرما ( 1 ) أبرهة بن الصباح ، وبعث عوف بن مالك إلى الإسكندرية ، فقال كل منهما لأهل بلده : أن نزلتم فلكم الأمان . فتربصوا ماذا يكون من أهل عين شمس ، فلما صالحوا صالح الباقون . وقد قال عوف بن مالك لأهل إسكندرية : ما أحسن بلدكم ؟ فقالوا : إن إسكندر لما بناها قال : لابنين مدينة فقيرة إلى الله غنية عن الناس . فبقيت بهجتها . وقال أبرهة لأهل الفرما : ما أقبح مدينتكم : فقالوا إن الفرما - وهو أخو الإسكندر - لما بناها قال لابنين مدينة غنية عن الله فقيرة إلى الناس . فهي لا يزال ساقطا بناؤها فشوهت بذلك . وذكر سيف أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح لما ولي مصر بعد ذلك زاد في الخراج عليهم رؤوسا من الرقيق يهدونها إلى المسلمين في كل سنة ، ويعوضهم المسلمون بطعام مسمى وكسوة . وأقر ذلك عثمان بن عفان وولاة الأمور بعده ، حتى كان عمر بن عبد العزيز فأمضاه أيضا نظرا لهم ، وإبقاء لعهدهم . قلت : وإنما سميت ديار مصر بالفسطاط نسبة إلى فسطاط عمرو بن العاص ، وذلك أنه نصب خيمته وهي الفسطاط موضع مصر اليوم ، وبنى الناس حوله ، وتركت مصر القديمة من زمان عمرو بن العاص وإلى اليوم ، ثم رفع الفسطاط وبنى موضعه جامعا وهو المنسوب إليه اليوم . وقد غزا المسلمون بعد فتح مصر النوبة فنالهم جراحات كثيرة ، وأصيبت أعين كثيرة ، لجودة رمي النوبة فسموهم جند الحدق . ثم فتحها الله بعد ذلك وله الحمد والمنة ، وقد اختلف في بلاد مصر فقيل : فتحت صلحا إلا الإسكندرية ، وهو قول يزيد بن أبي حبيب . وقيل : كلها عنوة وهو قول ابن عمر وجماعة . وعن عمرو بن العاص أنه خطب الناس فقال : ما قعدت هذا ولاحد من القبط عندي عهد إن شئت قتلت ، وإن شئت بعت وإن شئت خمست إلا لأهل الطابلس ( 2 ) فإن لهم عهدا نوفي به . قصة نيل مصر روينا من طريق ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عن عمن حدثه قال : لما افتتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص - حين دخل بؤنة من أشهر العجم - فقالوا : أيها الأمير ، لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها . قال : وما ذاك : قالوا : إذا كانت اثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية

--> ( 1 ) الفرما : مدينة قديمة وميناء بمصر شرقي بور سعيد على بعد عشرين ميلا منها وقد كانت مفتاح مصر من جهة الشام وكان لها شأن كبير في الحرب التي نشبت بين الفرس ومصر . قال ابن حوقل والمقريزي وبها قبر جالينوس . ( 2 ) في فتوح البلدان : أنطابلس .